محمد رأفت سعيد

300

تاريخ نزول القرآن الكريم

أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 47 ) . فمن المعاني على ترتيب نزولها ، كشف الآيات الكريمة لحال المعرضين المكذبين وكيف فسدت تصوراتهم وضلّ فكرهم ، ومن هذا ما حكاه القرآن الكريم من قولهم : أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 47 ) قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : كان بمكة زنادقة ؛ فإذا أمروا بالصدقة على المساكين قالوا : لا والله ، أيفقره الله ونطعمه نحن ؟ . وكانوا يسمعون المؤمنين يعلقون أفعال الله تعالى بمشيئة فيقولون : لو شاء الله لأغنى فلانا ، لو شاء الله لأعز ، ولو شاء الله لكان كذا . فأخرجوا هذا الجواب فخرج الاستهزاء بالمؤمنين ، وبما كانوا يقولون من تعليق الأمور بمشيئة الله تعالى « 1 » ، وقيل : إن أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه كان يطعم مساكين المسلمين فلقيه أبو جهل فقال : يا أبا بكر أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء ؟ قال : نعم . قال : فما باله لم يطعمهم ؟ قال : ابتلى قوما بالفقر ، وقوما بالغنى ، وأمر الفقراء بالصبر ، وأمر الأغنياء بالإعطاء . فقال : والله يا أبا بكر ما أنت إلا في ضلال ، أتزعم أن الله قادر على إطعام هؤلاء وهو لا يطعمهم ثم تطعمهم أنت ؟ فنزلت هذه الآية « 1 » . وتذكر الآيات الكريمة بعد ذلك قول المكذبين بالبعث ، واستبعادهم وقوعه وأن ذلك قريب وسيجدون أنفسهم مأخوذين فجأة وهم في لهوهم وجدالهم ، وسيجدون أنفسهم بعد نفخة الصور مسرعين إلى ربهم للحساب العادل ، قال تعالى : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 48 ) ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ( 49 ) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ( 50 ) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ( 51 ) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ( 52 ) إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ( 53 ) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 54 ) . وبعد ذكر الحساب العادل تذكر الآيات الكريمة ما يصير إليه الناس من فريقين : فريق الجنة وما أعدّ لهم من نعيم ، وفريق المجرمين الذين اتبعوا الشيطان كفرا وضلالا ليجدوا عاقبة كفرهم جهنم وليجدوا أن جوارحهم تنطق بما صنع هؤلاء في حياتهم . قال تعالى : إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ ( 55 ) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى

--> ( 1 ) القرطبي 15 / 37 .